مجزوءة الوضع البشري مفهوم الغير

مواقف الفلاسفة

نصّان فلسفيان حول وجود الغير — عند سارتر يصبح الغير وسيطاً لا غنى عنه لوعي الذات، وعند ميرلوبونتي تظل النظرة إنسانية ما دام التواصل ممكناً — مع تحليل حجاجي تفاعلي.

منهج التحليل: الدعوى والمجيز والبينة

لتحليل كل نص بطريقة منهجية، نعتمد على ثلاثة عناصر تميِّز بنية الحجاج الفلسفي: الدعوى هي الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها الفيلسوف، والمجيز هو المبدأ الضمني الذي يبرر الانتقال من الحجة إلى الدعوى، أما البينة فهي الأدلة والأمثلة التي يقدمها لدعم أطروحته. فعّل زر «التحليل الحجاجي» داخل كل منشور ليُبرز كل عنصر بلون مميِّز.

الدعوى
الأطروحة المركزية
المجيز
المبدأ المبرِّر
البينة
الأدلة والحجج
جان بول سارتر
نبذة

فيلسوف وكاتب فرنسي، أبرز ممثلي الفلسفة الوجودية في القرن العشرين. سطر في «الوجود والعدم» (1943) تحليلاً مبتكراً لعلاقة الذات بالغير عبر ثلاث أقسام وجودية، وحلّل هكذا ظواهر مثل الخجل والنظرة ليكشف اعتماد الوعي على وعي الغير به.

الفلسفة الوجودية

جان بول سارتر

1905 — 1980

عنوان النص

الخجل والوعي بالذات عبر الغير

لننظر مثلاً إلى الخجل: إنه شعور غير مباشر بالذات، وبهذا الشكل مثال لما يسميه الألمان بالمعيش، فهو سهل وممكن تأملته. بينة

وفضلاً عن ذلك فإن تركيبه قصدي، إنه إدراك خجول لشيء ما، وهذا الشيء هو أنا، إني خجول مما أكونه. بينة

فالخجل يحقق علاقة باطنية بين الأنا والأنا، وقد اكتشفت في الخجل مظهراً من وجودي. مجيز

ومع ذلك فعلى الرغم من أن بعض الأشكال المركبة والمشتقة من الخجل يمكن أن تظهر على المستوى التأملي، فإن الخجل ليس أصلاً ظاهرة تأمل. بينة

والحق أنه مهما تكن النتائج التي يمكن الحصول عليها في الخلوة بواسطة الممارسة الدينية للخجل، فإن الخجل في تركيبه الأول هو خجل أمام شخص ما. دعوى

لقد قمت بحركة غير لائقة، وهذه الحركة تلتصق بي، لا أُحكم عليها ولا ألومها، بل أحياها فقط، وأحققها كنمط من أنماط الوجود من أجل الذات. بينة

لكن ها أنا أرفع رأسي فجأة، وكأن هناك أحداً رآني، وأتحقق من كل ما في حركتي من سوقية فأخجل. بينة

ومن المؤكد أن خجلي ليس تأملياً، لأن حضور الغير في شعوري لا يتوافق مع الموقف التأملي. بينة

ففي مجال تأملي الخاص لا أستطيع أن أجد سوى الذي هو شعوري، لكن الغير هو الوسيط الذي لا غنى عنه بيني أنا وبين نفسي. مجيز

فأنا خجول من نفسي من حيث أتبدى للغير. دعوى

وبظهور الغير أصبح في مقدوري أن أصدر حكماً على نفسي كما أصدره على موضوع ما، لأني أظهر للغير بوصفي موضوعاً، غير أن هذا الموضوع المتبدى للغير ليس صورة تافهة في عقل الغير، إن هذه الصورة ستنتسب كلها إلى الغير ولا يمكن أن تمسني، ويمكنني أن أحس بالضيق والغضب إزاءها، كما يحدث أمام صورة لنفسي تضفي عليَّ قبحاً. بينة

وهكذا نجد أن الخجل هو خجل من الذات أمام الغير، فهاتان البنيتان غير منفصلتين. دعوى

المصدر: جان بول سارتر، الوجود والعدم، غاليمار، 1957، ص: 275-277. الكتاب المدرسي: منار الفلسفة.

موريس ميرلو بونتي
نبذة

فيلسوف فرنسي، من مؤسسي الفينومينولوجيا الوجودية. في «ظواهرية الإدراك» (1945) يجعل الإدراك الجسدي الحيّ أساس علاقتنا بالعالم وبالغير، ويردّ ضمنياً في هذا النص على أطروحة سارتر: فالنظرة ليست حتماً تحويلاً للذات إلى موضوع، لأن الغير لا نلقيه من وراء النظرية بل نعاونه انطلاقاً من التواصل.

الظواهرية الإدراكية

موريس ميرلو بونتي

1908 — 1961

عنوان النص

إما أنا وإما الغير؟ أزمة التواصل

يقال من الواجب علينا أن نختار واحداً من الاثنين: إما أنا وإما الغير، إلا أننا نختار أحدهم ضد الآخر، ونحن نؤكد الاثنين معاً. بينة

ويقال أيضاً إن الغير يحوّلني إلى موضوع وينفيني، وأحوّله إلى موضوع وأنفيه. بينة

والواقع أن نظرة الغير لا تحوّلني إلى موضوع، كما لا تحوّله نظرةّ إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل واحد منا وقبع داخل طبيعته الفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا إلى بعض لا إنسانية. دعوى

فإذا شعر كل منا بأن أفعاله، بدلاً من أن تقبل وتفهم، تخضع للملاحظة مثل أفعال حشرة، وذلك ما يحصل مثلاً عندما تقع عليَّ نظرة شخص مجهول. بينة

غير أنه حتى في هذه الحالة لا يتحول كل منا إلى موضوع أمام الآخر بفعل نظرة الغير، ولا تولد هذه النظرة الشعور بالضيق إلا لكونها تحلّ محل تواصل ممكن: فالامتناع عن التواصل هو نوع من التواصل. دعوى

إن الحرية ذات الأوجه والأشكال المتعددة، والطبيعة المفكرة، كل هذا الذي يضع بيني وبين الغير حدوداً لكل تعاطف، يجعل التواصل معلقاً، ولكن لا يعدمه. مجيز

إذا ما ربطتني صلة بشخص مجهول لم ينطق بعد بكلمة، فإنني أستطيع أن أعتقد أنه يعيش في عالم آخر لا تستحق أفعالي وأفكاري أن توجد فيه، لكن ما أن ينطق بكلمة حتى يكفّ عن التعالي عليَّ: هو ذو صوته وهذا ذو أفكاره، وهو ذو المجال الذي كنت أعتقد أنه يستعصي عليَّ بلوغه. بينة

فلا يعلو كل وجود معين على الآخرين بصورة نهائية إلا حين يبقى عاطلاً، ويتوطد في اختلافه الطبيعي'. دعوى

المصدر: موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، غاليمار، 1967. الكتاب المدرسي: منار الفلسفة.

٢ الخطوة الثانية

واصل الدرس

بعد قراءة المواقف الفلسفية، عُد إلى المدخل الإشكالي للدرس للربط بين الأسئلة الثلاثة والنصوص التي حللتها.